محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
537
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ أوضحنا العلامات الدالّة على التوحيد والنبوّة بما يغني الموقنين عن الاحتكام على الرسل والاقتراح عليهم . لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، قيل : أي يطلبون الإتقان بالنظر في الآيات ؛ وقيل : الذين حصل لهم اليقين بآية واحدة لم يطلبوا آية أخرى عنادا وجحودا . النظم والأسرار قال الموقنون بآيات اللّه : إنّ الذين قالوا لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ على ظنّهم طالبون لليقين ، وقد نسبهم اللّه تعالى إلى الجهل المطلق ؛ إذ وضعوا نفوسهم وعقولهم موضع النبوّة ؛ فتستعدّ كلّ نفس وعقل لأن يكلّمه اللّه ؛ وفي ذلك إنكار النبوّة خاصّة بواحد من البشر مخصوص ؛ فنفوا المتوسّط وادّعوا استحقاق كلّ واحد لإثبات التوسّط ، ظنّا منهم أنّ العقول والنفوس متساوية . فكما استحقّ واحد أن يكلّمه اللّه كذلك يستحقّ كلّ أحد . أو لم يستحقّ كلّ واحد ؛ فليكن المدّعي للنبوّة ممتازا عنّا بآية من عند اللّه ، لنعرف تخصّصه عن سائر البشر بتلك الآية عند اللّه ، وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ؛ وقد بيّنّا فيما قبل أنّ طلب الآيات احتكام على النبيّ ثمّ احتكام على اللّه ، ومثل هذا الاحتكام تكليف ما لا يطاق على النبيّ ؛ إذ الإتيان بالآية ليس مقدورا له ، وإيجاب ما لا يجب على اللّه تعالى ؛ إذ خلق الآية ليس واجبا عليه ولا تكليم البشر حتما عليه ، وكلا السؤالين محال ، والمحال على اللّه تعالى كفر . وسرّ آخر : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ تصديقا لك بالقول ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ تصديقا لك بالفعل ؛ فإنّ الآيات تنزّل منزلة التصديق بالقول ( 234 ب ) والمعنى هلّا صدّقك اللّه تعالى قولا ، فنسمعه منه ، أو هلّا صدّقك فعلا ، فنعقله منه ؛ وكانت هذه المقالة شبهة الماضين من قبلهم ؛ فمنعتهم من الإقرار بالنبوّات وقبول التكاليف . قال اللّه تعالى : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ وعند المتكلّمين أحد السؤالين محال والثاني متوجّه ؛ فيجب على المستجيب أن يطلب الآية حتّى يكون تصديقه عن بصيرة لا عن تقليد ، ويجب على النبيّ أن يأتي بالآية حتّى تكون دعوته متميّزة عن